ابن قيم الجوزية

179

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

التوبة وخطر الإصرار والتسويف ومن أحكامها : أن العاصي إذا حيل بينه وبين أسباب المعصية ، وعجز عنها ، بحيث يتعذر وقوعها منه ، هل تصح توبته ؟ وهذا كالكاذب والقاذف ، وشاهد الزور إذا قطع لسانه ، والزاني إذا جبّ ، والسارق إذا أتي على أطرافه الأربعة ، والمزوّر إذا قطعت يده . ومن وصل إلى حدّ بطلت معه دواعيه إلى معصية كان يرتكبها . ففي هذا قولان للناس : فقالت طائفة : لا تصح توبته . لأن التوبة إنما تكون ممن يمكنه الفعل والترك . فالتوبة من الممكن ، لا من المستحيل . ولهذا لا تتصور التوبة من نقل الجبال عن أماكنها ، وتنشيف البحار ، والطيران إلى السماء ونحوه . قالوا : ولأن التوبة مخالفة داعي النفس ، وإجابة داعي الحق . ولا داعي للنفس هنا ، إذ يعلم استحالة الفعل منها . قالوا : ولأن هذا كالمكره على الترك ، المحمول عليه قهرا . ومثل هذا لا تصح توبته . قالوا : ومن المستقر في فطر الناس وعقولهم : أن توبة المفاليس وأصحاب الجوائح : توبة غير معتبرة . ولا يحمدون عليها . بل يسمونها توبة إفلاس ، وتوبة جائحة . قال الشاعر : ورحت عن توبة سائلا * وجدتها توبة إفلاس قالوا : ويدل على هذا أيضا : أن النصوص المتضافرة المتظاهرة قد دلت على أن التوبة عند المعاينة لا تنفع . لأنها توبة ضرورة لا اختيار . قال تعالى : فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ( 18 ) [ النّساء : 17 ، 18 ] و « الجهالة » ههنا : جهالة العمل . وإن كان عالما بالتحريم . قال قتادة : « أجمع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن كل ما عصي اللّه به فهو جهالة ، عمدا كان أو لم يكن . وكل من عصى اللّه فهو جاهل » . وأما التوبة من قريب : فجمهور المفسرين : على أنها التوبة قبل المعاينة . قال عكرمة : قبل الموت . وقال الضحاك : قبل معاينة ملك الموت . وقال السدي والكلبي : أن يتوب في صحته قبل مرض موته . وفي « المسند » وغيره عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » وفي نسخة دراج - أبي الهيثم - عن أبي سعيد مرفوعا « إن الشيطان قال : وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم . فقال الرب عزّ وجلّ : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني » « 1 » .

--> ( 1 ) قال السيد رشيد : اغتر الناس بظواهر هذه الأقوال في تفسير الآية . وهذه الأحاديث . فصاروا يسوفون في التوبة ، ويصرون على المعاصي . فترسخ في قلوبهم . وتأنس بها أنفسهم . وتصير ملكات وعادات يتعذر عليهم - أو يتعسر - على غير الموفق النادر الإقلاع عنها حتى يجيئهم الأجل الموعود . وليس معنى الآية : أن التوبة المقبولة المرضية التي أوجب اللّه على نفسه قبولها : هي ما كانت عن معاصي يصر المرء عليها إلى -